أبو الحسن الشعراني

295

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

فيجوز أن يريد المولى شيئا ولا يطلبه أو يطلب شيئا لا يريده ، فعلى مذهبنا كلما كان شئ حسنا فقد أمر به المولى قطعا وكل ما أمر به فهو حسن قطعا ، وينعكسان بعكس النقيض إلى قولنا كلما لم يأمر به فليس بحسن وكل ما ليس بحسن فلم يأمر به وما لم يأمر به أعم من أن لا يكون في الفعل مصلحة أصلا كالزنا أو يكون فيه مصلحة ذاتا لكن عارضها جهة مفسدة أرجح كالصدق الموجب لعدوان ظالم على مؤمن ، أو كانت فيه مصلحة غير مزاحمة ، لكن لا يتمكن المكلف من الامتثال مثل صلاة النائم ، ففي جميع هذه لا يعد الفعل حسنا ولا مصلحة فيه وكون المصلحة في الماهية في الجملة لا يوجب كونها في جميع أفراده ففي مسألتي الترتب واجتماع الأمر والنهى لا يمكن الحكم بصحة العبادة ، مع التزام عدم الطلب بصرف كون المصلحة في الماهية الكلية التي لو لم يكن مانع لأمر المولى بها . وعلى هذا فلو لم يأمر المولى بشئ فعلا وأتى به المكلف لم يكن محبوبا لديه ، ولا يتصف بالصحة ، ويكشف عدم الأمر به عن عدم المصلحة فيه . وربما يقال : لا يجب أن يكون العبادة راجحة إلا باعتبار نوعها ، فالفرد المرجوح أيضا صحيح إذا كان النوع راجحا وليس بجيد . « الفرق بين العبادة وغيرها » رأيت كثيرا من علمائنا يفرقون بين العبادة وغيرها أولا ثم يحكمون تفريعا عليه بوجوب قصد التقرب في العبادة دون غيرها . والأولى أن يعكس الأمر فيتبع الدليل على وجوب القربة فما دل على وجوب القربة فيه سمى عبادة وما لم يدل عليه دليل سمى توصليا ، وذلك لأن الامتثال في كل تكليف يتوقف على التقرب به إلا ما دل الدليل على